آقا بن عابد الدربندي

1

خزائن الأحكام

المجلّد الأول خطبة الكتاب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الّذى مدح في كتابه التفكّر في صنائعه وقد جلّ عن مطارح أضواء الفكر جلاله واثنى على أصحاب التدبّر والنظر في آياته وقد ارتفع عن مواقع أنوار النّظر كماله والذي جعل العقل ممّا أكرم به الانسان وصيّره اشرف وديعة فيه وأفضل موهبة له وقد عجزت المدارك والعقول عن كنه كمال حكمته وكلّت السن الفصحاء عن وصف جلال عظمته وهو الّذى ليس كمثله شيء دليله آياته وجوده اثباته توحيده تمييزه عن خلقه وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة سبحانك اللّهم اجعلني ممن شرحت صدره للاسلام فهو على نور منك وثبتني على القول الثّابت في الحياة الباقية عندك وهب لي لسان صدق في الآخرين واهدني إلى صراط الحقّ واليقين وصيّرنى ممّن جبل على نفس ابيّة وهمّة علية لا يكاد يستأنس الّا بذكرك وابتغاء رضاك ونعت جمالك وجلالك وعدّ اوصافك وافعالك ثمّ اجعل اللهمّ افكارى في العلوم من الافكار الصّحيحة المستقيمة ولا تجعل خيالاتى في الفنون من الخيالات السّقيمة المعوّجة المنحنية الشّبيهة بالوهميّات بل اجعلها من الخيالات الممدوحة المتّصلة المضاهية بالخيالات المنفصلة اى عالم المثل والصور القائمة بنفسها الذي منها خلق مدن جابلقا وجابلسا ذات النورانية والصّفاء ثم الصّلاة والسّلم على العقل الاوّل والنّور الأنور والقلم الاعلى والرّوح الاقدس الأشرف الاصفى الرسول النّازل من عند ربّ العالمين بكتابيه التكويني والتدويني والمبعوث بهما على كافة خلقه وعامة عباده للدّعوة العامة والسياسة التّامة حجّة اللّه البالغة في الأرض والسّماء واسمه الّذى به أشرقت السماوات والأرضون وبه يصلح الأولون والآخرون حبيب اللّه وصفيّه محمد بن عبد اللّه ص ثمّ على آله وخاصّة عترته القدّيسين الصّديقين الأكرمين الأطيبين الأطهرين المعصومين الوارثين لجميع كمالاته الذين اذهب اللّه عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا وبعد فيقول العبد الافقر الأحقر اللائذ بأذيال الطاف ربّه الكريم المنّان أسير نوائب الزمان المتفاقمة وسجون خطوب الدّهر المتراكمة قليل البضاعة والعمل كثير الإضاعة والزّلل المشتهر بآقا بن عابد بن رمضان بن زاهد الشيرواني الدّربندى أعطاهم اللّه تعالى طروسهم بايمانهم يوم الحساب انه لا يخفى على أرباب الفطانة والذكاء وأرباب الحجى والنهى ممّن حازوا من جزور الشرافة والفضل قدحى الرقيب والمعلّى انه كما يزيد ويكثر بتمادى الأزمان وتلاحق الافكار وقدة الأذهان وشدة قوتها مسائل العام والمتعارفة المعهودة ومباحث الفنون المتداولة المشهورة فكذا استحدث بتشحيذ غرار القوى الفكرية والخيالية وصفائها ولطافتها جملة من العلوم وطائفة من الفنون فانّ كلّما يزيد ويكثر وكذا كل ما يتجدّد ويستحدث ليس ولا يكون الا من الأمور الواقعيّة التي لها تاصّلات والأشياء النفس الأمريّة التي لها تحققات وان التجدّد والتزايد والتلاحق والاستحداث والتكاثر اى ظهور هذه الأمور انما هي بحسب تجدّد الالتفاتات وحدوثها وتوجّه الخيالات وبروزها واستحداث الافكار الجديدة والتدبّرات والتعقلات الجيّدة المخترعة وربّما تجعل مسئلة أو مسائل من علم وأصول ومباحث من فنّ علما مستقلا وفنا على حدة وفرق في ذلك كلّه بين العلوم العربيّة والفنون الادبيّة وبين غيرها اما ترى ان علم ما فوق الطبيعي اعني العلم الإلهي من شطر الحكمة قد قسم على علوم كثيرة وفنون وفيرة في كلمات المتأخرين وبعبارة أخرى ان جملة من الأبواب والمقاصد في كلمات المتقدّمين قد جعلت في كلمات المتأخرين أصحاب الافكار العميقة والتتبعات العريضة فنونا ذات مقاصد وأبواب كثيرة وعلوما ذات مباحث ومسائل طويلة فتضاف تلك الفنون وهذه العلوم إلى عناوين تلك المقاصد وصدور هذه الأبواب اما ترى انه يقال فنون المفارقات لمقاصد العقل والنّفس وفن تهذيب النفس وفن الاخلاق وفن المبدا وفن المعاد وفن النبوات إلى غير ذلك من